فصل: مسألة حلف بالطلاق ألا يدخل على أخته في بيتها فدخل عليها غير بيتها:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة قال لامرأته إن أنت خرجت من عتبة الباب فأنت طالق ثلاثا:

قال عيسى: وحدثني ابن وهب عن ابن شعبان قال: بلغني أن ابن عمر وسعد بن أبي وقاص استفتاهما رجل قال لامرأته إن أنت خرجت من عتبة الباب فأنت طالق ثلاثا، قال فأخرجت إحدى رجليها وحبست الأخرى ثم أدخلت التي أخرجت فقالا له: قد حرمت عليك لا تحل لك حتى تنكح زوجا غيرك، قال عيسى: وقال ابن القاسم مثله.
قال محمد بن رشد: لم يفرق ابن القاسم في هذه الرواية ولا ابن عمر وسعد بن أبي وقاص فيما ذكر عنهما في هذه الحكاية بين أن يكون اعتمادها على الرجل الذي أخرجته من العتبة أو على الرجل الذي لم تخرجه فحمله أصبغ وغيره على عمومه في كل حال، ويحتمل أن يحمل قولهم على أنها اعتمدت عليهما معا أو على التي أخرجت لأن ابن حبيب حكى عن ابن الماجشون أنه إن كان اعتمادها على الرجل التي أخرجت فقد حنث، وإن كان اعتمادها إنما كان على الرجل التي لم تخرجه فلا حنث عليه، وهو جيد من قوله، إلا أنه قال: لا يحنث إن كان اعتمادها عليهما جميعا، وهو بعيد؛ لأنا إن حملنا قول ابن عمر وسعد بن أبي وقاص وابن القاسم على أنهم رأوا الطلاق قد وقع على الحالف بإخراج رجلها من العتبة وإن كانت لم تعتمد عليه لزمنا عليه أن يوجب الحنث بإخراج يدها من العتبة وهو بعيد، وقد قال ابن الماجشون أنه لا يحنث وإن أخرجت رأسها وصدرها إذا كان اعتمادها على رجليها في داخل العتبة بخلاف العتبة إذا كانت راقدة لأنها حينئذ يكون اعتمادها على يديها فيحنث إذا أخرجت صدرها ورأسها ولا يحنث إذا أخرجت رأسها ورجليها وهي راقدة، وبالله التوفيق.

.مسألة حلف الذي عليه القمح بالطلاق أن يوفيه صاحبه إلى الأجل ثم أقاله:

وسئل عن الرجل يكون له على الرجل قمح من تسليف كان سلفه إياه وقد حلف الذي عليه القمح بالطلاق أن يوفيه صاحبه إلى الأجل، ثم أقال صاحب القمح الذي عليه القمح قبل الأجل.
قال ابن القاسم: إن كان الذي أقاله به هو مثل ثمن القمح قبل الأجل حين يقيله فلا حنث عليه. وقال أشهب مثله.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة في الذي قبل هذا وفي رسم إن خرجت، فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق.

.مسألة قال لعبده إن لم أبعك فامرأته طالق البتة فمات العبد أو أبق:

وقال ابن القاسم: في رجل قال لعبده إن لم أبعك فامرأته طالق البتة فمات العبد أو أبق.
قال: أما الموت فإنه إن لم يكن فرط في بيعه حتى مات العبد فلا شيء عليه، وإن كان فرط في بيعه حتى لو شاء أن يبيعه قبل أن يموت باعه ففرط في ذلك حتى مات العبد فهو حانث. قال: وأما الإباق فإن رفعت المرأة أمرها إلى السلطان ضرب له أجل المولي أربعة أشهر من يوم ترفع ذلك إليه، فإن أخذ العبد فباعه قبل الأربعة أشهر فقد بر، وإن لم يقدر على العبد حتى مضت الأربعة الأشهر طلق عليه طلاق الإيلاء واحدة، فإن وجد العبد وباعه في العدة ارتجع، وإن لم يقدر على العبد حتى خرج من العدة فلا رجعة له عليها.
هذه مسألة صحيحة بينة على معنى ما في المدونة وغيرها وستأتي متكررة في سماع أبي زيد فلا وجه للقول فيها، وبالله التوفيق.

.مسألة قال لامرأته إن لم أتزوج عليك فأنت طالق البتة:

وسئل ابن القاسم عن رجل قال لامرأته إن لم أتزوج عليك فأنت طالق البتة ثم قال لها: إن تزوجت عليك فتلك المرأة طالق البتة.
قال: أراها الساعة طلقت عليه بالبتة إلا أن يشاء أن تدع ذلك وتقيم معه لا يطأها ولا ينظر إلى شعرها فإن رفعت أمرها طلقت مكانها.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأنه على حنث ولا يقدر على البر فلا سبيل له إلى وطء امرأته أبدا، فإن رضيت أن تبقى معه بغير وطء بقيت وان رفعت أمرها وسألته الوطء طلقت مكانها ولم يضرب له أجل الإيلاء إذ لا يقدر على الفيء، وقال: إنه يضرب له أجل الإيلاء ولا يجوز له الوطء لعلها أن ترضى بالبقاء معه على غير وطء فإذا حل أجل الإيلاء ولم ترض بالمقام معه على غير وطء طلق عليه بانقضائه، والقولان قائمان من المدونة من كتاب الإيلاء وهذه المسألة تمام مسألة رسم أوصى فيما تقدم وبالله التوفيق.

.مسألة يحلف لامرأته بطلاقها البتة ليتزوجن عليها إلى شهر فيتزوج قبله:

وسئل عن الذي يحلف لامرأته بطلاقها البتة ليتزوجن عليها إلى شهر فيتزوج قبل الشهر ويدخل بها بعد الشهر.
قال: أراه حانثا وإنما التزويج المسيس.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة على أصولهم في أن البر لا يكون إلا بأكمل الوجوه، وقد مضت والقول فيها في رسم لم يدرك من سماع ابن القاسم فلا معنى لإعادة ذلك وبالله التوفيق.

.مسألة قال لرجل امرأتي طالق البتة إن ساكنتك وكان معه في بيت وحلف ليلا:

وسئل عن رجل قال لرجل: امرأتي طالق البتة إن ساكنتك وكان معه في بيت وحلف ليلا.
فقال: ينتقل مكانه وإن أخر ذلك إلى الصباح حنث، قال: ولو قال امرأته طالق البتة لأنتقلن عنك فإنه يطلب ويرتاد لنفسه منزلا ولكن لا يطأ حتى ينتقل.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في النذور من المدونة في الذي يحلف بالطلاق ألا يساكن رجلا أنه يخرج تلك الساعة وإن كان في جوف الليل فإن أقام حتى يصبح حنث ألا يكون نوى ذلك، وقد قيل له يوم وليلة، وهو قول أصبغ وأشهب، قال ابن لبابة: ولا يمنع في خلال ذلك من الوطء وقوله صحيح لأن اليوم والليلة عندهما كالأجل، فهو في ذلك على بر، وقد قيل: إن له ومن الفسحة في ذلك ما يرتاد فيه موضعا ينتقل إليه، وهو ظاهر ما في سماع ابن القاسم، وقد مضى القول على ذلك هنالك وأما الحالف لينتقلن فإن لم ينو الاستعجال فليس له أن يطأ حتى ينتقل ويضرب له أجل الإيلاء إن رفعته امرأته في ذلك، وأن أخذ في الانتقال ساعة حلف لم يمنع من الوطء، وفي المدنية من رواية ابن القاسم عن مالك أنه محمول على التعجيل حتى ينوي التأخير، وإن لم ينتقل ساعة حلف وإن كان في جوف الليل حنث كالذي يحلف على ترك المساكنة، وقد مضى في أول سماع ابن القاسم بيان القول في الحلف على ترك المساكنة فلا معنى لإعادة ذلك هنا وبالله التوفيق.

.مسألة بينه وبين رجل منازعة فقال امرأته طالق البتة إن لم يكن أبي ميتا خيرا من أبيك حيا:

وسئل عن رجل كان بينه وبين رجل منازعة فقال: امرأته طالق البتة إن لم يكن أبي ميتا خيرا من أبيك حيا، أو قال: إن لم أكن أنا ميتا خيرا منك حيا.
قال ابن القاسم: تطلق عليه امرأته بالبتة.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الميت ليس جزءا من الحي في شيء من أمور الدنيا ولا بأكثر أعمالا منه وطاعات في هذا الوقت؛ لأن الميت ليس من أهل العمل، فوجب أن يكون حانثا إلا أن يكون له نية مثل أن يقول إنما أردت أن أبي خير لي ميتا من أبيك لك حيا إذ يكرمني الناس لما يعلمون من خير أبي، بخلاف ما لك أنت مع أبيك في حياته لما يعلمون من شره ويكون ذلك معروفا، فتكون له نيته، ومثل أن يقول إنما أردت أن الناس يتنادون بحياة أبيك لما هو عليه من الأحوال المذمومة، وأبي ينتفع الناس بعد موته بما عمله في حياته من طريق أصلحه أو مال حبسه أو علم أبقاه وخلده وما أشبه ذلك ويكون ما ذكره من ذلك معروفا فينوى فيه والله أعلم.

.مسألة حلف بالطلاق ألا يدخل على امرأته فلان فيأتي فلان ذلك إلى بيت ليدخله فيدخل رجله:

وفي كتاب باع شاة وسئل عن الرجل يحلف بالطلاق ألا يدخل على امرأته فلان فيأتي فلان ذلك إلى بيت ليدخله فيدخل رجله الواحدة في البيت فيصاح به، لا تفعل، فإن فيه فلانة فيرجع.
قال مالك: هو حانث، وهو مثل الذي يحلف ألا يأكل هذين القرصتين فيأكل أحدهما أنه حانث.
قال محمد بن رشد: قول مالك هذا مثل ظاهر ما تقدم في الرسم الذي قبل هذا لابن عمر وسعد بن أبي وقاص وابن القاسم رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وقد مضى القول على ذلك فلا معنى لإعادته وبالله التوفيق.

.مسألة قال لامرأة من النساء كل امرأة أنكحها غيرك فهي طالق:

وقال مالك: من قال لامرأة من النساء كل امرأة أنكحها غيرك فهي طالق فهو مثل الذي يقول: كل امرأة أنكحها عليك فهي طالق.
قال محمد بن رشد: قول مالك إن قول الرجل لامرأة من النساء كل امرأة أنكحها غيرك فهي طالق فهو مثل قوله لها إن لم أنكحك فكل امرأة أنكحها فهي طالق، هو مثل قوله في كتاب الأيمان بالطلاق من المدونة سواء، وفي ذلك من قوله نظر في أن قوله لها كل امرأة أنكحها غيرك فهي طالق نص جلي لا يحتمل التأويل في أنه حرم على نفسه نكاح جميع النساء سواها فلا يلزمه شيء إذ لم يحض من النساء إلا امرأة واحدة على أصل مذهبه كانت متزوجة أو غير متزوجة خلاف قول ابن الماجشون في أن ذلك يلزمه وإن كانت متزوجة إذا كانت ممن تحل له يوما ما، وخلاف قول مطرف في أن ذلك إنما يلزمه إذا كانت غير متزوجة، وقوله لها إن لم أنكحها فكل امرأة أنكحها فهي طالق كلام محتمل لأن ظاهره يقتضي أنه إنما أوجب على نفسه طلاق كل امرأة ينكحها قبلها، فعلى هذا يلزمه الطلاق إذ له أن يتزوج بعدها ما شاء من النساء وإلى هذا ذهب ابن عبدوس وسحنون إلا أنهما اختلفا فيما تزوج قبلها فقال ابن عبدوس: يلزمه فيها الطلاق ساعة تزوجها، وقال سحنون: لا يعجل عليه الطلاق ويوقف عنها حتى ينظر هل يتزوجها أو لا، فإن طلبت امرأته الوطء ضرب له أجل الإيلاء فإن لم يتزوجها حتى ينقضي الأجل طلق عليه بالإيلاء وإن تزوجها بر وانحل عنه أجل الإيلاء، وكذلك إن ماتت أيضا لأنه يصير بموتها قد امتنع من نكاح جميع النساء إلى غير أمد فلم يلزمه ذلك ولم يلتفت مالك إلى ما يقضيه ظاهر لفظه، وحمله على معنى ما ظهر إليه من أنه أراد بذلك طلاق كل امرأة يتزوجها سواها وقاس عليها المسألة الأخرى إلا أنه لم يقصد بذلك حقيقة القياس إذ لا يقاس ما لا احتمال فيه على ما فيه احتمال، وإنما قصد إلى التشبيه بين المسألتين ولعله ظهر إليه من المسائل أنه إنما شك في حكم المسألة الأولى.
وقوله: إن قول الرجل لامرأته كل امرأة أنكحها غيرك فهي طالق مثل قوله لها كل امرأة أنكحها عليك فهي طالق، يريد أن قول الرجل لامرأته كل امرأة أنكحها غيرك أو سواك فهي طالق يلزمه، وتكون بمنزلة أن لو قال لها كل امرأة أتزوجها عليك، بخلاف إذا قال ذلك لأجنبية.
قال محمد بن رشد: وأصبغ بن الفرج، لا شيء عليه، قال ذلك لزوجته أو لأجنبية، وذلك بمنزلة أن يقول كل امرأة أتزوجها ولا يزيد علي ذلك، وإنما قال لزوجته إذا قال عليك.

.مسألة يقول إن لم يجيء أبي إلى شهر فامرأتي طالق:

وسألته عن الذي يقول إن لم يجيء أبي إلى شهر فامرأتي طالق أو إن لم يقضه غريمه فامرأته طالق والحق حال علي الغريم أو إلى أجل أو إن لم يعطني فلان دينارا إلى شهر هل يطأ في هذا كله ضرب لذلك أجلا أو لم يضرب.
قال ابن القاسم أما الذي حلف بالطلاق إن لم يجيء أبوه فإنه إن كان ضرب لذلك أجلا فهو يطأ إلى ذلك الأجل وإن لم يضرب أجلا ضرب له أجل المولى فإن جاء وإلا طلق عليه طلاق الإيلاء، وأما الذي حلف على غريم له ليقضينه فإنه إن كان الحق حالا تلوم له ولم يضرب له أجل المولي لأن كل من حلف على فعل غيره ليفعلنه لم يكن فيه أجل المولي وتلوم له على قدر ما بدا مما أراد فإن فعل وإلا حنث، كذلك قال لي مالك: وإن كان حقه إلى أجل فحلف على ذلك فلا شيء عليه إلى الأجل.
قلت له فسواء قال إن لم يقضني إلى الأجل أو قال إن لم يقضني؟ قال: ذلك كله سواء لأنه قد علمنا أنه إنما حلف إلى الأجل إلا أن يقول حلفت على أن يعجل لي حقي فيتلوم له، قلت: ولم جعلت الذي حقه حال فحلف عليه ليقضينه مثل الذي حلف على رجل ليبين له وهذا السلطان يقضي عليه إن يقض وهذا لا يقضي عليه بأن يهب له؟ قال: لأنه حلف على فعل غيره، أرأيت لو أكرهه السلطان أكنت تراه بارا؟ قال: لا يكون بارا وإن قضي عليه السلطان فقضاه إلا أن يكون نوى إلا أن يغلبه السلطان فإذا لم ينو ذلك فهو حانث إذا أكرهه السلطان؛ لأن مالكا قال: من رجل سأله رجل حقه فحلف بالطلاق ألا يقضيه شيئا: إنه حانث إن قضى عليه السلطان فقضاه إياه، وسواء إذا حلف على غريمة ليقضينه طائعا أو كارها في الأجل أنه يتلوم له ولا يضرب له أجل المولى لأنه إنما حلف على فعل غيره فليس يختلف إن لم يمتي وإن لم يقضني، قال ابن القاسم: كل من كان يتلوم له في امرأته من هؤلاء وغيرهم فإنه إذا مضى من الأجل مثل الذي يتلوم له فإنه حانث ولا يسأل عن شيء، والتلوم في ذلك ليس بواحد، إنما ينظر في هذا إلى قدر ما يرى وما يرجى له، والذي يحلف إن لم يجئ أبي ولم يضرب أجلا إنما يضرب له من يوم ترفع امرأته ذلك.
قال القاضي رَحِمَهُ اللَّهُ: فرق في هذه الرواية في الحالف على غيره ليفعلن فعلا ولم يضرب لذلك أجلا بين أن يكون المحلوف عليه غائبا أو حاضرا وقد مضى تحصيل القول في هذه المسألة في رسم يوصي بمكاتبه من سماع عيسى من كتاب الإيلاء فغنيت بذلك عن إعادته هنا مرة أخرى وبالله التوفيق.

.مسألة حلف بطلاق امرأته ألا يرزأها من مالها شيئا فقربت إليه طعاما فأكل منه:

وسئل عن رجل حلف بطلاق امرأته ألا يرزأها من مالها شيئا فقربت إليه طعاما فأكل منه.
قال: قد حنث.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال لأنه إذا أكل من طعامها فقد رزأها في مالها إلا أن تكون له نية في شيء بعينه ويأتي مستفتيا فتكون له نيته.

.مسألة حلف بالطلاق البتة ألا يأذن لها إلى أهلها فأذن لها فلم تسر:

وسئل عن رجل حلف بالطلاق البتة ألا يأذن لها إلى أهلها فأذن لها فلم تسر.
قال: إذا أذن لها فقد حنث سارت أو لم تسر.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الذي حلف ألا يفعله هو الإذن فلما أذن لها وجب أن يحنث وبالله التوفيق.

.مسألة حلف بالطلاق ألا يدخل على أخته في بيتها فدخل عليها غير بيتها:

وسئل عن رجل حلف بالطلاق ألا يدخل على أخته في بيتها فدخل عليها غير بيتها.
قال: إن كان إنما حلف على قطيعتها فدخل عليها في بيتها أو غير بيتها فقد حنث، قال ابن القاسم: إن كان نوى البيت بعينه فلا بأس أن يدخل عليها في غير بيتها، وإن لم تكن له نية فقد حنث.
قال محمد بن رشد: حمل ابن القاسم يمينه على القطيعة حتى ينوي البيت بعينه؛ لأن ذلك هو المعنى المقصود بالأيمان في العرف والعادة وهو مصدق في دعوى أنه أراد البيت بعينه وإن كان على يمينه بينة؛ لأن البينة في ذلك موافقة للفظ ويحلف على ذلك لدعواه خلاف العرف والعادة، والحمد لله.

.مسألة قال لرجل أطلقت امرأتك قال نعم كما طلقت أنت امرأتك:

وسئل عن رجل قال لرجل: أطلقت امرأتك؟ قال: نعم كما طلقت أنت امرأتك، فإذا هو قد طلق امرأته ولم يعلم بذلك، هل عليه طلاق؟ وإنما كان على وجه لعب.
قال: إذا لم يكن يعلم أن الآخر طلق ولم يكن يريد هو بذلك طلاقا وحلف على ذلك فلا طلاق عليه، قال ابن القاسم: وذلك إذا استيقن أنه لم يعلم.
قال القاضي: إذا شهد عليه بذلك القول وقيم عليه بالطلاق فلا يصدق فيما ادعاه من ذلك إذا لم يظهر ما يدل على صدق دعواه، مما يقع به اليقين أنه لم يعلم بطلاق الرجل امرأته من شاهد دال أو فحوى كلام أو ما أشبه ذلك، إذ لا يصح أن يقطع بمعرفة ذلك ببينة، فإذا استوقن أنه لم يعلم، بشيء من هذه الوجوه دون أن يتحقق العلم بذلك حلف كما قال إنه لم يعلم بذلك ولا أراد بذلك الطلاق، ولا يحلف أنه كان لاعبا لأن اللاعب يلزمه الطلاق إذا نواه كما يلزم المجد؛ لأن هزله جد على ما يأتي لأصبغ في نوازله بعد هذا، وعلى ما مضى في رسم الطلاق من سماع أشهب من كتاب التخيير والتمليك، ولو أمكن أن يتحقق أنه لم يعلم بطلاق الرجل امرأته لما لزمته يمين إذا كان قوله: كما طلقت أنت امرأتك نسقا بقوله: نعم، على اختلاف في هذا الأصل قد ذكرناه في رسم كتب عليه من سماع ابن القاسم، ولو أتى مستفتيا غير مطلوب بالطلاق لصدق فيما ادعاه كله دون يمين، وبالله التوفيق.

.مسألة سمى الرجل امرأة بعينها وقال إن تزوجت فلانة فهي طالق واحدة:

ومن كتاب حمل صبيا على دابة:
قال ابن القاسم: إذا سمى الرجل امرأة بعينها وقال: إن تزوجت فلانة فهي طالق واحدة، فإنه إن تزوجها طلقت عليه بواحدة، فإن نكحها بعد ذلك لم تطلق عليه.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة والقول فيها مستوفى في هذا الرسم بعينه من صدر السماع فاكتفيت بذلك عن إعادته وبالله التوفيق.

.مسألة رجل أراد أن يُدخل على بنته وهي مريضة رجالا يشهدهم على وصيتها:

من سماع يحيى بن يحيى من ابن القاسم من كتاب الكبش.
قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن رجل أراد أن يُدخل على بنته وهي مريضة رجالا يشهدهم على وصيتها فحلف زوجها بطلاقها ألا يدخل عليها أولئك النفر الذين أراد أبوها أن يدخلهم عليها، فأخرجت المرأة من الدار إلى القوم فأشهدتم على وصيتها ثم صحت، أترى زوجها حانثا إذا أشهدت أولئك النفر بأعيانهم وإن كانوا لم يدخلوا عليها إذ أخرجت إليهم؟
فقال: بل أرى أن يُنَوَّى، فإن قال: إنما كرهت دخولهم لئلا يروا من حال بيتي ما أكره دُيِّن في ذلك واستحلف وإن أقر أنه إنما كان حلف لكيلا تشهدهم على ما كانت ترضى، فإذا خرجت إليهم فأشهدتهم فكأن قد دخلوا فهو حانث.
قلت أرأيت إن خاصمته امرأته في هذه اليمين زمانا وهو منكر أن يكون حلف بها فلما قامت عليه البينة ادعى أنه إنما كره حين حلف دخولهم بيته ولم يرد منعها من إشهادهم، وقد كان منكرا للحلف في أصل الخصومة؟.
قال: نعم، لا أرى إنكاره لليمين يقطع عنه أن ينوى في يمينه ويدين فيها.
قلت: أرأيت إن كان حين حلف قد بين لمن حضر من العدول أنه قد كان مكابرا لها ولاسيما فيما كانت تريد أن توصي به يشتد ذلك عليه ويظهر منعها منه والسخط عليها فيه حتى يستدل أن يمينه إنما كانت كراهية لإشهادها على ما كانت تريد أن توصي به ولعله ممن يسر بدخول الرجال عليه لحسن حال بيته وصلاح هيئته أتنويه أم لا؟ فقال: لا أرى أن تقطع عنه على ما ادعى من النية للذي وصفت من حالته وأرى أن يدين ما ادعى ويحلف عليه ثم لا حنث عليه إن حلف على ما ادعى من نيته.
قال محمد بن رشد: الظاهر من مقصد الحالف أنه إنما أراد ألا يشهد أولئك النفر على وصيتها فيحمل يمينه على ذلك ويحنث إذا أشهدتهم وإن لم يدخلوا عليها، إلا أن يدعي أنه إنما أراد ألا يدخلوا عليها فيصدق في نيته مع يمينه وإن كان مطلوبا بالطلاق، وقد شهد عليه باليمين؛ لأنها نية محتملة مطابقة لظاهر لفظه، ولو كان مستفتيا غير مطلوب بالطلاق لم يكن عليه يمين فيما ادعى من النية.
وأما قوله إنه يُنَوَّى في ذلك بعد أن أنكر اليمين فهو على ما في رسم كتب عليه ذكر حق من سماع ابن القاسم من كتاب التخيير والتمليك وفي رسم الكبش من سماع يحيى منه من أن الرجل إن ناكر زوجته فيما قضت به في التمليك بعد أن أنكر أن يكون ملكها، وقد مضى من القول على ذلك هنالك ما فيه كفاية لمن تأمله فيه ولم ير شهادة الشهود بما يظهر إليهم من قصد المشهود عليه وإرادته عاملة في إسقاط ثبوته، والوجه في ذلك أنه لا يمتنع أن يكون نازعهم في الوصية وكره أن توصي بها، ثم لم يحلف على ذلك ونوى في يمينه شيئا آخر مخافة أن يحنث فيما نازعهم به لو حلف عليه فهو أعلم بنيته التي لا يطلع عليها سواه إلا الله عز وجل، فوجب ألا تبطل لاسيما واللفظ يطابقها، وقد وقع في رسم الطلاق من سماع أشهب من كتاب التخيير والتمليك وفي رسم أصبغ من كتاب التدبير إعمال الشهادة بنحو هذا وبالله التوفيق:

.مسألة تسلف من رجل مالا وحلف له بالطلاق ليقضينه ساعة يبلغ منزله:

قال يحيى وسألت ابن القاسم عن رجل تسلف من رجل مالا وحلف له بالطلاق ليقضينه ساعة يبلغ منزله أو ساعة ينزل منزله فأقبل المستسلف راجعا إلى منزله ومعه المسلف فبلغا المنزل حيث غابت الشمس فدخل الحالف منزله فاشتغل ببعض شأنه ونسي يمينه، فلما كان ثلث الليل أو نحوه ذكر يمينه فخرج إلى صاحبه بالمال فقضاه إياه.
قال أراه حانثا إلا أن يكون نوى بيمينه ساعة أبلغ منزلي أو أنزل منزلي يريد بذلك إذا بلغ ليقضينه، ولم يرد ساعة نزوله ولا ساعة بلوغه فأرى أن يُنَوَّى في ذلك ويحلف عليه ولا حنث عليه إذا قضاه من ليلته أو الغد.
قلت: أرأيت إن كان لم ينو ساعة يبلغ إنما أراد ليقضينه إذا جاء منزله أتراه في سعة من تأخير القضاء اليوم واليومين أو الثلاثة أو كم تراهما في سعة من ذلك؟ فقال اليوم والليلة.
قال محمد بن رشد: قوله: إنه حانث إلا أن يكون نوى إذا بلغ ليقضينه ولم يرد ليقضينه ساعة بلوغه صحيح على أصولهم في أن يمين الحالف إذا عريت من النية والبساط محمولة على ما يقتضيه لفظا في اللسان أو على أظهر محتملاته إن كان محتملا لوجهين أو أكثر، وقوله ساعة يبلغ يقتضي أن يقتضيه في تلك الساعة بعينها فإن أخر قضاءه عنها وجب أن يحنث ونواه مع يمينه يريد إذا طولب بالطلاق ولم يأت مستفتيا لأن الساعة لما لم تكن مؤقتة ولا محدودة احتمل أن يريد بها الساعة التي يصل فيها بعينها وأن يريد بذلك التعجيل، فوجب أن يصدق في أنه إنما أراد بذلك أن يعجل له حقه إذا بلغ ولا يمطله به مع يمينه على ذلك إن كان مطلوبا ولم يأت مستفتيا فلا يحنث إذا قضاه فيما دون الليلة واليوم مما يكون إذا فعله فقد عجل له حقه ولم يمطله به، ولو حلف ليقضينه حقه إذا جاء منزله ولم يرد بذلك التعجيل لما حنث بتأخيره قضاءه إذا جاء منزله إلا أنه لا يجوز له أن يطأ حتى يقضيه؛ لأنه على حنث ويدخل عليه الإيلاء إن رافعته امرأته وطلبته بحقها في الوطء، فهذا وجه القول في هذه المسألة، وبالله التوفيق.

.مسألة يقول امرأته طالق أو غلامه حر إن فعل كذا وكذا فحنث:

ومن كتاب الصبرة:
قال يحيى: وسألت ابن القاسم في الرجل يقول امرأته طالق أو غلامه حر إن فعل كذا وكذا، فحنث أنه يخير فيقال له: أوجبت حنثا في أيّهما شئت إن شئت، فأعتق العبد، وإن شئت فطلق المرأة، أنت في ذلك بالخيار؛ لأنه قد استثنى حين حلف فقال: امرأته طالق، أو غلامه حر، فمن أجل ذلك خُيِّر.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن موضوع أو في اللسان في الماضي للشك، وفي المستقبل للتخيير؛ لاستحالة أن يخير أحد فيما قد فات ومضى، أو يشك في أي الأمرين كان، ولما لم يكن أحدهما، فوجب إذا قال الرجل: امرأته طالق، أو غلامه حر، إن فعل فلان كذا وكذا، أو فعلت كذا وكذا، ففعله أن يخير فيما شاء من ذلك إلا أن يقول: ولا خيار لي في ذلك، أو يريد ذلك فيلزمه عتق العبد، وطلاق المرأة، وقد مضى في رسم العرية، من سماع عيسى، إذا قال: امرأتي طالق، أو غلامي حر، إن لم يفعل كذا وكذا، والقول في ذلك، فهو تتميم هذه المسألة، وبالله التوفيق.